أبي منصور الماتريدي

421

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

مما لا يحتمل لأحد دون الله ؛ فنهى عنه لذلك - وإن لم يكن بنفسه عبادة للمسجود له في الحقيقة - كما نهى عن أشياء بما يتصل بها من الوحشة ، وإن لم يكن ذلك في الحقيقة محتملا له ، فكذلك الأمر الأول ، كما نهى عن سبّ من يعبد من دون الله خوفا لسبّ الله ، ويؤمر بأمور ليست - بنفسها - بقربة ليتوصل بها إلى القربة ، كالسعى إلى الحج والجمعة ، ونحو ذلك . وفيه أن السّنّة تنسخ الكتاب ؛ لأن السجود لآدم عليه السلام في الكتاب ، ومثله السجود ليوسف ، ثم نهى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم عن ذلك فحرم ؛ فدل أن السنة تنسخ الكتاب . وقول الملائكة : سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ . يشبه أن يكون السابق إلى وهمهم منى ، أو خطر فعل ما كان بالله خرج من أن يعقلوا حكمته ؛ إمّا بما لم يبلغهم العلم بها ، أو يخطر ببالهم أنه تعالى كيف يأمرهم ، وهو يعلم أنهم لا يعلمون بها ، أو خطر ببالهم من غير تحقيق ذلك ، ولكن على ما يبلى به الأخيار ؛ كقوله : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى . . . الآية [ الحج : 52 ] . أو كما لا يخلو به الممتحن عن الخواطر التي تبلغ المحنة بهم المجاهدة بها في دفعها ، وإن لم يكن لهم بما يخطر ببالهم صنع . فقالوا : سُبْحانَكَ ؛ نزّهوا عمّا خطر ببالهم ، وسبق إلى وهمهم . ووصفوا بأنه ( عليم ) : لا يخفى عليه شئ . ( حكيم ) : لا يخطئ في شئ ، ولا يخرج فعله عن الحكمة ، وبالله التوفيق والعصمة . وفي الآية منع التكلم في الشئ إلا بعد العلم به ، والفزع به إلى الله عن القول به إلا بعلم ، وهذا هو الحق الذي يلزم كلّ من عرف الله . وبه أمر الله تعالى نبيّه عليه الصلاة والسلام فقال : وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ . . . الآية [ الإسراء : 36 ] . وسئل أبو حنيفة « 1 » - رضي الله عنه - عن الإرجاء ما بدؤه ؟ فقال : فعل الملائكة إذا

--> ( 1 ) أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطى بن ماه ، الإمام الفقيه الكوفي مولى تيم الله بن ثعلبة وهو من رهط حمزة الزيات ، كان خزازا يبيع الخز أصله من أهل كابل وقيل بابل وقيل من أهل الأنبار وقيل من نسا وقيل من ثرمد ولد أبوه على الإسلام وأدرك أبو حنيفة أربعة من الصحابة وهم : أنس بن مالك وعبد الله بن أبي وسهل بن سعد وأبو الطفيل عامر ، ولد أبو حنيفة سنة ثمانين وقيل سنة إحدى وثمانين من الهجرة والأول أصح ، وحدث عن عطاء ونافع وعبد الرحمن بن هرمز وعدى بن -